واصف جوهرية

135

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

وعدا هذه الأملاك كانت عائلات كثيرة تستلم إيجارا سنويا بالنسبة إلى عدد أفراد عائلته ويستأجر بيتا في أي مكان . ثم كان الدير يستأجر بيوتا من المسلمين وفي أحياء مختلفة ويسكن أبناء الطائفة من العرب . وأخيرا كان الدير يوزع على عائلات الطائفة من العرب والفقيرة منها الخبز مرتين في الأسبوع ويسمون هذا الخبز ( بالطلم ) نهار الأربعاء والسبت وهذا الخبز كان يعجن ويخبز داخل الدير ، كما كان الدير يدفع لبعض الفقراء المساعدات من الدراهم دائما أبدا . وبمناسبة الأعياد وخصوصا عيد الفصح المجيد يوزع الدير على بعض العائلات المعروفة من أبناء الطائفة وخصوصا من لهم علاقة بشؤون البطريركية والموظفين من العرب يوزع عليهم " الشراك " أي كعكة العيد الخاصة بالبطريركية مع خمسين بيضة حمراء معايدة ، هذا ما كنت أشاهده في بيت والدي . كنت وأخي توفيق أذهب لوالدي الذي كان موظفا في المحكمة الكنسية وعضوا ملازما في قاعة الترجمة يشربون القهوة ويتحدثون في مشاكل الطائفة ويصلحون ما بين المختلفين من أبنائها ويخصصون المبالغ المرتبة للفقراء والأرامل ويكونون الحكم في الإيجارات التي كانت تعقد ما بين الملاكين وبين البطريركية وكل هذه الإدارة تلزم لأشخاص عديدين لهم المقدرة والنفوذ من أبناء الطائفة وكانوا يشتركون في قاعة الترجمة مع الكهنة وبعض أعيان أبناء الطائفة عموما . هذا من جهة وإني ألفت نظر القارئ بأن أملاك البطريركية الواقعة خارج مدينة القدس ودخلها وحاصلاتها كانت تدار بواسطة الكثيرين من أبناء الطائفة العرب مثل العنب في قرية الخضر وزيتون مارالياس وغيرهم . ثم تلك الصفقات من الأراضي التي كانت تباع من الفلاحين أو المدنيين من أهالي القدس بواسطة عائلة الخالدي كانت تتم أيضا بواسطة بعض أفراد أبناء الطائفة العرب . لمحة عن عمارة المسكوبية بالقدس زمن تركيا عندما أنشأت عمارة المسكوبية في محلة شارع يافا كانت طبعا قبل دخول سنة 1900 وهذه العمارة العظيمة تحتوي على عدد كبير من العمارات المتفرقة وكل عمارة تحتوي على طابقين مخصص لشيء خاص ، وكان شكل بنائها كما يتضح للعيان لغاية يومنا هذا هندسة عربية أي عقد صليب في غاية من القوة والإتقان وعرض الحائط لكل هذه العمارات لا يقل عن المتر والنصف متر وشبابيكها معمولة من الدرفات القزازية إنما مزدوجة أي من خارج الحائط ثم درفات مثلها من داخل الحائط ليتسع الفراغ بينها ويمنع البرد بحسب الطريقة الروسية ثم الأرض لجميع غرف هذه العمارات منصوب عليها الخشب الكثيف والجدير بالذكر أن هذا الخشب للأرض كان يغطى بالدهان الكثيف دهان زيت ويعاد دهانه في كل سنة فيصبح وكأنه بلاطة واحدة إنما دافئة تمنع الرطوبة والبرد حسب الطريقة الروسية . وإن جميع هذه العمارات داخلها صوبات للتدفئة تشغل فيها الحطب ، وهذه الصوبات جيئت خصيصا على النمط الروسي بحجم كبير جدا ولا يوجد لها مثيل في أي من عمارات الدول الأخرى بالقدس . ويتخلل ما هذه العمارات المتفرقة البساتين وغابات أشجار السرو والصنوبر والزيتون ومحاطة بسور ضخم من الحجر يحدها من الشرق المنتزه البلدي